ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

15

رحلات في فارس

عوزهم ، كما هو الحال في معظم أراضي الإمبراطورية العثمانية ، التي هي في حد ذاتها و طبيعتها أفضل و أروع بلاد على وجه البسيطة فإنها مع ذلك جافة كأي أرض بور بسبب حاجتها إلى اليد العاملة . أما سبب العوز في هذه البلاد الشاسعة ، فإن فهمه في غاية اليسر . يعود ذلك من جهة إلى امتداد هذه الممالك غير المحدود ، و من ناحية أخرى إلى الحكومة الاستبدادية الحاكمة هنا . ليس بوسع الذين يغزون تقديم مساعدة لمن يحكمونهم بأهواء أجنبية ، بينما حكموا سابقا وفق قوانين مطابقة للعرف و النظام تنبثق بانتظام من دستورهم الخاص . و عليه ، سيتخلصون من نير الغازي ما إن يبتعد مئتين أو ثلاثة مئة فرسخ عنهم . و لقد اعتقدوا أن من المستحسن للحفاظ على فتحهم ، نفي القسم الأكبر منهم و نقل الآخرون إلى مناطق نائية و مناخ مختلف حيث يضمحلون تدريجيا مثل نبتة غريبة . هذا ما مارسه الفرس ، و كذلك الأتراك في العهود المتأخرة . لقد لا حظوا التأثيرات المرعبة لهذا النوع من السياسة في الهند الشرقية ، بلاد غنية مثمرة كثيفة السكان . و بالنظر نسيبا كيف مد المغولي العظيم إمبراطوريته بغزو مملكات الهند و ولاياتها ، فإن الناس و كثير من الثروات قد تضاءلت . يمكن للمرء أيضا إضافة بعض العوامل الطبيعية إلى العامل السياسي لتفسير تناقص عدد سكان فارس ، و من بينها الثلاثة التالية : أولا ، الميل المزري لدى الفرس لاقتراف الخطيئة البغيضة ضد الطبيعة بالتواصل مع الجنسين . ثانيا ، الترف المغالى به في البلاد حيث تنجب النساء الأطفال في عمر مبكر و يتوقفن عن الإنجاب ما إن يبلغن الثلاثين ، حين ينظر إليهن على أنهن عجائز و متقاعدات ، و يبدأ الرجال في زيارة النساء الشابات و الاستمتاع بأكثر من واحدة دون إنجاب . كما أن كثيرا من النساء يجهضن أنفسهن و يأخذن أدوية لمنع الحمل ، لأن أزواجهن يتزوجون نساء أخريات ما إن يصلن الشهر الثالث أو الرابع من الحمل ، إذ أن مضاجعة المرأة الحامل في عرفهم تعتبر فعلا شائنا بذيئا . السبب الثالث ، أنه في غضون القرن الماضي ، ذهب عدد كبير من الفرس و حتى عائلات بأكملها و استقروا في الهند الشرقية . و لما كانوا أكثر و سامة و حكمة